استيقظت من نومها، وتوجهت إلى المرآة، فوجدت الوجه الذي اعتادت على إخفاء ملامحه منذ زمن بعيد حتى نسيته، او تناسته، امسكت فرشتها، وبدأت من اسفل العينين حيث سواد يشبه رداء الأرامل، ثم الخدود باهتة كصباح لاشمس فيه، ثم شفاه جافة، كنهر فقد ماءه، ثم رموش كغصون الاشجار الخالية من الأوراق، وجبين كصحراء قاحلة، تشتاق للنسيم، انتهت من زينتها، ارتدت باروكتها، ثم ارتدت فستانها المطرز بخطوط ذهبية وماسات لؤلؤية، سقط أغلبها وتركه مسخ فستان، يثير السخرية والضحك لكل من يراها، ولكنها لا تعبء بهم جميعا، لا تنتبه لأحد قط في طريقها، تذهب إلى المدرسة، حيث مقر عملها، نعم انها مدرسة رسم في مدرسة ثانوي، اعتاد الناس على هيئتها، كما اعتاد المدرسين زملائها، وكذلك الطلبة، رغم تعاقب وجودهم، وتغير وفودهم على المدرسة، إلا أن الجديد، حين يراها يتفاجىء من مظهرها الرث، ولكن سرعان ما تتلاشى هذه الفجاءة، من أثر اعتياد الطلبة القدامى وتعاطيهم مع أمرها الشاذ والغريب...
ميس عطيات! هكذا لقبها، منذ ان فقدت زوجها وابناءها في حادث سيارة، وهي على هذه الهيئة لم تبرحها، منذ عشر سنين، نعم! لقد فقدت الاحساس بالزمن، والحياة، والوجود، والكون كله، لا تعرف إلا روتينها اليومي، لا أحد يعرف هل تأكل، أو تشرب كباقي البشر! هل تنام أو تستحم كباقي البشر! هل لديها أهل، معارف، أصدقاء، كباقي البشر! هل هي بشر من الأساس لتكون لها حياة كباقي البشر!! ما نعرفه هو هيكل بشري تكسوه الزينة الرثة، ويغلفه العطر الذي يشبه عفن القبور، والفستان الذي فقد كل بهجة فيه، فصار خرقة يواري سوءة امرأة مازالت تتنفس في عالم الأحياء..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق