الجمعة، 2 ديسمبر 2016

رسائل الطيور

كان يبلغ من العمر الكثير، فقد انحنى ظهره، وضعف بصره، وخارت قوته، يخرج كل يوم من بيته، حاملاً على كتفه "مخلته" شنطة مصنوعة يدوياً من القماش، تحتوي ثقباً صغيراً من الأسفل، يحمل فيها غلال، تسقط من مخلته، منذ خروجه من البيت حتى يصل إلى حيث أراد، ثم يعود ومخلته خالية.
جاء لأحد أهل القرية أحفاد لهم لزيارتهم، فكانت فيهم فتاة شابة جميلة ومرحة، سمعت منهم كثير حكايات عن ذلك العجوز العاشق المخلص، الذي يخرج كل يوم من بيته إلى المقابر ليزور زوجته المتوفاة منذ سنين، فأخذها الفضول كي تعرف ما سر الرحلات اليومية إلى قبر زوجته، ولماذا لا يكترث لحقيبته المثقوبة، والحب المتساقط منها مهدوراً في الطريق!. فقررت أن تنتظره في صبيحة يوم وترافقه في رحلته علها تقف على سر ذلك العجوز، إن كان له سر من الأساس.
خرج العجوز من بيته، حاملاً مخلته المثقوبة كالعادة، وتوجه إلى طريقه، قفزت الفتاة حتى أصبحت أمامه، وقالت: صباح الخير، ياجدي.
رد العجوز: صباح الخير.
الفتاة: أنا اسمي زهرة ياجدي، حفيدة الحاج غنيم، ووالدي الاستاذ يوسف، نسكن في مصر، وجئنا في زيارة لجدي وجدتي
العجوز: اهلاً بكم ومرحباً
الفتاة: جدي، هل ارافقك في الطريق! أريد أن اتحدث معك قليلاً إذا لم يكن في ذلك ازعاج لك!
العجوز: على العكس، وهل انزعج من مرافقة فتاة جميلة وشابة ومرحة مثلك! تفضلي طبعاً، ولكن أخاف أن تكون مرافقتك لعجوز مثلي، مثار ملل وضجر فمثلي لا يجيد فنون التسلية.
الفتاة: اشكرك كثيراً، ولكنك لطيف جداً
ساراً سوياً، لكن العجوز صامت، والفتاة، مترددة، كلما همت لتتحدث، يلجمها الحياء، والخشية من صد العجوز لتطفلها.
ولكنها استجمعت قوتها، وقررت الحديث وقالت: جدي! لماذا تحمل حقيبة مثقوبة، يتساقط منها الحب على الأرض، ويضيع هباءاً؟
رد العجوز باسماً: وما أدراكي أنه يضيع هباءاً؟
ثم عاد لصمته مرة أخرى، ولكنها قررت أن تتجرأ أكثر فأكثر، أنا اجد أنه يضيع في الأرض، والناس والطيور أولى به!
قال العجوز: الطيور تحصل عليه يا ابنتي! هذا طريق الطيور، اعتادت عليه منذ سنين طويلة
قالت: إذاً أنت من ثقب الحقيبة عامداً لتسقط الحب، فتأكل الطيور مايسقط منها! ااااه هذه الحكاية إذاً
ولكن! لماذا تفعل ذلك؟ كان في مقدورك أن تلقيه أمام بيتك، وتشاهد الطيور وهي تأكل، فهو مشهد جميل يستحق النظر، ولا تتكلف مشقة المشي وحمل الحقيبة على كتفك!
قال العجوز: هذا طريق، جاءت لي منه رسالة منذ عقود بعيدة، وبعد أن وقفت على الرسالة، أخذت العهد أن اكملها، مهما تكلفت من مشاق.
ترد الفتاة في حماسة وشغف: رسالة! أية رسالة؟ ثم تداركت أنها وقعت في شرك الفضول والتطفل، فربما لا يريد أن يتكلم، فقررت الاعتذار وقالت: عفواً ياجدي، ان اثقلت عليك، ولكني وجدتك شخصاً لطيفاً لا تبخل عليّ بالحديث الدافيء
قال العجوز: لا عفو ولا ثقل، فلو سألني أي أحد في القرية لأجبته، ولكنك الوحيدة التي رافقتني وسألتني، ربما ذلك لحكمة، ربما. سوف أحكي لك الحكاية:
كنت شاباً في مقتبل العمر، متفاخراً بوسامتي وحسبي ونسبي ومالي، كنت متكبراً لدرجة الغرور، كانت كثير فتيات، يهمن حباً فيّ، وأنا لا اكترث لهن جميعاً، كنت لا أجد فتاة واحدة تستحق أن أبادلها مشاعر إعجاب، او حتى نظرة رضا. حتى جاء صباح يوم استيقظت على صوت طيور كثيرة أمام بيتنا، تغني وتزقزق، ويعلو صوتها بالصياح. خرجت فوجدتها تأكل من حبوب قد بدرت أمام البيت. لم اهتم ساعتها، فصوتها قد ازعجني بعد ما ايقظني من نومي. ولكن الأمر تكرر صباح كل يوم، حتى أنني ذهبت لأمي اشكو إليها، انها تلقي الحب للطيور، فتأتي وتزعجني وتوقظني من نومي، فأخبرتني أمي أنها لم تلقي حباً ولا أي طعام لا لطيور ولا لغيرها. إذاً من يفعل؟ قررت أن أنظر للحب والطيور، فوجدتني أميل إلى الإبتهاج، نعم فقد دخلت السعادة إلى قلبي. ولكني لاحظت أن الحب لم يكن فقط عند بيتنا، فبعد أن تفرغ الطيور من الطعام أمام البيت تذهب في طريق ممتد مبدور بالحبوب، فقررت أن اتتبع الحب، فوجدته ينتهي إلى مكان خال من البشر. أخذت ابحث علّني أجد من يلقي الحب للطيور، ولكني لم أجد. عدت خائباً إلى البيت، متعجباً من الامر.
استمر الحال شهوراً، حتى وجدتني أذهب إلى حيث انتهى بي طريق الحب، فوجدت رسالة مكتوبة تحت كومة حبوب، اخذتها وفتحتها وقرأتها. فجاء فيها:
بسم الله، فالق الحب والنوى، منزل القطر، مخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، خالق الحياة في قلب الصخر. هذه رسالتي إليك، فمتى وصلت إليك فاعلم أنك سبقت الطيور إليها، لأن الطيور متى سبقتك، أكلت الحب، وتركت الرسالة، عرضة للهواء يحملها حيث شاء، فيضيعها، وافقد الفرصة في إخبارك بما يكنه قلبي لك. أنا فلانة بنت فلان، كنت أبدر الحب من بيتك على امتداد الطريق إلى هذه البقعة، ثم أضع رسالتي تحت كومة من الحب، فمتى أكلتها الطيور، علمت أنك لم تنشغل بعد، ولم يهفو قلبك للوصول بعد، ولكني لم أيأس يوماً من وصولك، فها قد علمت، فأنظر ماذا ترى؟ والسلام.

تزوجتها، وعشت معها حياة ما كنت سأعيشها بدونها أبداً، فقررت وفاءاً لسعادتي التي منحتني إياها، أن أبدر الحب من بيتي إلى حيث وضعت الرسالة، وحيث دُفنت أيضاً، إلى هنا، إلى هذا المقام. ورسالة الحب خاصتي هي أنا، وحديثي معها كل يوم، حيث اخبرها أنها حبيبتي، ومليكة قلبي، وسبب بهجتي، منذ عرفتها وحتى أعود إليها ونلتقي من جديد بعد أجل لا يعلمه إلا الله.